ایکنا

IQNA

10:59 - July 26, 2018
رمز الخبر: 3469474
الخرطوم ـ إکنا: لمؤسسة "الخلوة" في السودان دور كبير في نشر التعليم ومحو الأمية ما زال قائماً حتى اليوم و هي واحدة من أكبر المنارات الدينية التي ساهمت في نشر الدين الإسلامي خارج السودان وحفظ القرآن وتجويده.

وأفادت وكالة الأنباء القرآنية الدولية(إکنا)، لمؤسسة "الخلوة" في السودان دور كبير في نشر التعليم ومحو الأمية ما زال قائماً حتى اليوم، رغم تطور نظم التعليم وسياساته، إذ تمارس أساليب العقود الماضية من حيث إسكان الطلاب ورعايتهم وطرق تربيتهم.

ليس هذا وحسب، بل هي واحدة من أكبر المنارات الدينية التي ساهمت في نشر الدين الإسلامي خارج السودان وحفظ القرآن وتجويده.

فكرة "الخلاوي" تقوم على كونها مؤسسات تعليمية أهلية وتكافلية، وهي مراكز إشعاع تعليمي شديدة الأهمية، خاصة في المناطق والقرى النائية التي لم تمتد إليها خدمات التعليم الحكومي النظامي.

والخلوة- مفرد خلاوي- مكان مخصص لتدريس وتحفيظ القرآن وعلومه، في الغالب يكون سكن الشيخ القائم على أمرها ملحقاً بها، وكذلك فيها مساحة لسكن الطلاب.

وللخلاوي دور كبير في تعليم الكتابة والقراءة لأطفال السكان المحليين في القرية وأطفال القرى المجاورة لها.

هناك شبه إجماع حول ترجيح بداية ظهورها بالسودان حيث يُربط بالفترة السابقة لحكم الشيخ عجيب المانجلك 1570 -1611م، وقد تطورت الخلاوي وانتشرت خلال عهد هذا الحاكم.

يشرف شيخ الخلوة على عدد كبير من الطلاب، يعاونه المتقدمون في مستوى التحصيل من المتعلمين في تعليم القراءة وفي تحفيظ وتدريس الملتحقين بها حديثاً، ويشرف الشيخ على هؤلاء المتقدمين في الدراسة، وفي ذات الوقت يُشرف ويُتابع قراءة ومستويات الطلاب الجدد.

- رحلة حياة

يبدأ اليوم الدراسي في الخلاوي قبل صلاة الفجر بساعة أو نحو ذلك، وهذه الفترة مخصصة للحفظ، ففي ذلك الوقت تزيد فرص الاستيعاب لدى الطلاب وتكون أذهانهم في قمة الصفاء.

أما الفترة الثانية فتبدأ بعد أن يخلد الطلاب لراحة بسيطة بعد صلاة الفجر، ثم بعدها تأتي فترة الضحى، وهي مخصصة لكتابة مقرر الحفظ اليومي الذي يعادل ثمن جزء من القرآن الكريم، وتكون الكتابة على لوح من الخشب بمداد مصنوع من مواد محلية، وبعد ذلك تأتي فترة "الضهرية"؛ التي تبدأ عقب صلاة الظهر؛ وهي مخصصة لتصحيح القراءة، ثم تبدأ القيلولة حتى "العصرية"، وهي مخصصة للحفظ ومراجعة الطلاب لما حفظوه.

وبعد المغرب تبدأ فترة التسميع قبل "العشاوية"، وبعد صلاة العشاء يتحلق الطلاب في حلقة دائرية تخصص لمراجعة الأجزاء التي حفظوها من قبل، ثم يخلد الطلاب للنوم مبكراً.

- منهج الحفظ

يدرس الطلاب الحروف نطقاً وكتابة، ويحدد شيخ الخلوة لكل طالب القدر الذي يناسبه من آيات القرآن ليحفظها وفقاً لمستوى استيعابه.

الشيخ أبو ذر التجاني قال لـ "الخليج أونلاين" إن الطلاب الملتحقين بالخلوة ينقسمون إلى قسمين؛ "الأول يشمل الذين لم ينالوا أي قسط من التعليم في حياتهم، والثاني يشمل الذين تعلموا القراءة والكتابة في المدارس".

وأوضح أن "طلاب القسم الأول يتم التدرج بهم حتى يتعلموا القراءة والكتابة، والفئة الثانية تبدأ بالحفظ، سواء صعوداً أو هبوطاً، من حيث ترتيب أجزاء القرآن الكريم".

وعن تجربته، قال الشيخ الماحي عبد الله المعصوم، إنه أكمل حفظ القرآن بخلوة "ود البحر" في مدينة المناقل بولاية الجزيرة، حيث أخذ مسار التعليم الديني من خلال الخلاوي، وكذلك أخذ مسار التعليم المدرسي الحكومي الحديث.

وبين أنه حفظ القرآن الكريم ودرس علومه، وفي ذات الوقت حصل على شهادة جامعية في الآداب قسم اللغة العربية من جامعة الخرطوم، ثم حصل على الماجستير في نفس المجال بتقدير ممتاز، وهو الآن بصدد نيل الدكتوراه.

الشيخ الشاب المعصوم هو إمام وخطيب لأحد المساجد بالعاصمة الخرطوم، يقول إن حفظ القرآن عملية مستمرة، "فهو يتفلت من الصدور ما لم يراجع الحافظ ما يحفظه بانتظام. إن الحفظ لا يتأتى لشخص إلا بالقراءة المستمرة، وبحسب الطاقة والفتح الذي يفتحه الله عليه والفضل الذي يؤتيه إياه".

بذرة علمیة

أما الشيخ إبراهيم قسم الله، فالتحق في سن مبكرة بخلوة الشيخ قسم الله المهل، بمنطقة الحلاوين بولاية الجزيرة، لمدة خمس سنوات، ختم فيها القرآن وتعلم علومه، ثم انتقل إلى المعهد الأوسط بمنطقة "أب عُشر" ودرس أربع سنوات.

تعليمه في الخلوة- كما يقول- وسَّع آفاقه كثيراً، وحين عاد إلى قريته "شكيرا" بولاية الجزيرة قرر مساعدة السكان المحليين من خلال الإسهام في تعليم أطفال القرية، وبمساعدة بعض الأخيار والأعيان، فأسس خلوة صغيرة لتحفيظ القرآن وتعليم القراءة والكتابة، ضمت 135 طالباً.

بعد العمل الطوعي ولمدة عامين كاملين حرص فيها الشيخ إبراهيم قسم الله على منح الثقة لبعض المتميزين من بين الأطفال الأكبر سناً في تلك المجموعة ليكونوا نواة لحمل الراية في غيابه، سافر الشيخ إلى القاهرة ملتحقاً بمعهد القاهرة الثانوي لمدة خمس سنوات، أتبعها بسنة تكميلية أهلته لدخول الأزهر، حيث نال بكالوريوس الشريعة والقانون ثم نال بعدها عدداً من الدبلومات العليا، وهو ما مكنه من العمل في عدد من الوظائف المرموقة عقب عودته إلى السودان.

والشيخ أبو ذر التجاني إمام وخطيب أحد مساجد مدينة الخرطوم، هو سليل أسرة حفظت كتاب الله تعالى منذ جده الخامس، التحق بخلوة الشيخ موسى محمد كدام، فحفظ القرآن وختمه في عام وهو في سن العاشرة.

جمع الشيخ أبو ذر أيضاً بين التعليم في الخلوة والتعليم المدرسي المنتظم حتى مرحلة الجامعة، فنال الماجستير متخصصاً في علم الحديث، وهو الآن بصدد مناقشة رسالته لنيل الدكتوراه.


- ضبط سلوك الفرد

"الخلاوي"- وفق كثيرين- تساهم في ضبط سلوك الفرد وتهذيبه، كالنوم والاستيقاظ والأكل في أوقات محددة، فضلاً عن تعزيز روح المشاركة الجماعية.

يقول الشيخ أبو ذر: "الخلاوي تسهم في تفتيح مدارك مُرتاديها، وتنمي شخصيتهم ووعيهم باكراً، وتُعزز ثقتهم في مخاطبة الآخرين".

أما الشيخ البشير إبراهيم، إمام وخطيب أحد المساجد بأم درمان، فيرى أن "الخلوة تُكسب خريجها لغة صحيحة عالية المستوى، وتطور قدرات الخطابة، وفضلاً عن ذلك يتمتع المتخرج بالورع والتهذيب والتأدب في التعامل مع الآخرين، والمحافظة على الزمن والانضباط".

تجربة الشيخ البشير إبراهيم بدأت بالالتحاق بخلوة ابن عباس بمدينة "الدامر" بولاية نهر النيل التي تقع شمال الخرطوم، مدة قصيرة، ثم سافر للخرطوم حيث استقر به المقام بمسجد الرحمن في مدينة الراشدين بأم درمان. وحصل على إجازة في اللغة العربية من جامعة أم درمان الإسلامية، وهو على أعتاب نيل درجة الماجستير.

الجامع بين تجارب هؤلاء الشيوخ على الرغم من اختلافها في العديد من الأوجه، أن الخلوة بالنسبة لهم لم تكن المحطة النهائية في مسيرة التحصيل وتلقي العلم والعرفة، بل إنها كانت بالنسبة لهم دافعاً لنيل المزيد وتطوير ذواتهم.

الشيخ البشير إبراهيم يرى أن "الخلاوي يجب أن تُطور بيئتها التعليمية والوسائل التي تستخدمها لأداء رسالتها الأساسية، بحيث تستفيد من تكنولوجيات الاتصال الحديثة على سبيل المثال استخدام منصات التواصل الاجتماعي لتصل برسالتها إلى آفاق أرحب وتكون جاذبة للأجيال الناشئة".

خرَّجت هذه الخلاوي عبر السنين أعداداً كثيرة من الطلاب النابهين الحافظين لكتاب الله، والذين انخرطوا في الحياة العامة في جميع النشاطات العادية في مجتمعاتهم بعد حفظهم لكتاب الله وختمه، كما قال الشيخ البشير، حتماً ستجد بينهم الأطباء والقضاة والتجار والمهندسين والأساتذة الجامعيين.

وختم البشير حديثه قائلاً: "ستظل الخلاوي مؤسسات تتمتع بتقدير أهل السودان على الرغم من زحف المدنية والحداثة بكل معطياتهما وما تتضمنانه من مؤسسات، ومن بينها المؤسسات التعليمية المعاصرة، التي تنافسها في ممارسة ذات الدور مع اختلاف المضمون"، مشيراً إلى أنه "لا بد من أن تجد الخلاوي الاهتمام الذي تستحقه من أعلى المستويات لتستمر في أداء رسالتها، فهي خزائن كلام الله".

المصدر:الخلیج اونلاین

الاسم:
البرید الإلکتروني:
* رأیکم: