|
وكالة الأنباء القرآنية العالمية (IQNA): فی نهايات القرن الثانی وبدايات القرن الثالث الهجريين حيث أخذ الفكر الإسلامی المستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يتحول على أيدی المفكرين المسلمين من أئمة أهل البيت (ع) وأعلام الصحابة (ض)، ورجالات التابعين إلى علوم مقننة، لها أصولها وقواعدها وتفريعاتها المتعددة والمختلفة.
|
| العلامة الشيخ عبدالهادی الفضلی من تلاميذ الشهيد الصدر الاول |
كان فی طليعة هذه العلوم علم الفقه، ذلك العلم الذی تناول بالدرس الأحكام الشرعية الفرعية التی تقوم بوظيفة تنظيم علاقات الإنسان مع خالقه تعالى، ومع الإنسان الآخر، وجميع ما يتفاعل معه مما هو موجود فی هذا الكون الرحيب.
فتوجه العلماء المسلمون يدرسونه ويدرّسونه ويؤلفون فيه الرسائل والكتب المفردة ومن ثم الموسوعات صغيرة وكبيرة. وبدأ التدوين العلمی للفقه الإسلامی عند أهل السنة فی نهايات القرن الثانی وبدايات القرن الثالث الهجريين متأثراً بعاملين، هما:
1ـ انقراض آخر جيل من أجيال علماء الصحابة، فقد توفی آخر عالم من علماء الصحابة وهو جابر بن عبد الله الأنصاری سنة 78 هـ، وقد كانت له فی أواخر أيامه حلقة تدريس فی المسجد النبوی الشريف. روى له البخاری ومسلم وغيرهما وبلغت مروياته عن النبی (ص) 1540 حديثا. وله مسند وهو مما رواه عبد الله بن أحمد بن محمد بن حنبل، وتوجد مخطوطته فی خزانة الرباط برقم 221 كتانی.
2ـ نشاط الحركة الفكرية بعد تولی عمر بن عبد العزيز الخلافة سنة 99 هـ. وكان العامل الأول، وهو انقراض أجيال علماء الصحابة، الحافز القوی للخليفة عمر بن عبد العزيز أن ينشّط الحركة العلمية ويتوسع بها.
وهنا جاء دور العلماء المسلمين من تلامذة التابعين وتابعی التابعين فی الإكثار من حلقات الدرس الفقهی فی المساجد الكبرى فی العالم الإسلامی: المسجد الحرام والمسجد النبوی الشريف وجامعی البصرة والكوفة.
وكذلك فی التأليف، ومنه التأليف الفقهی، وقد مر بمرحلتين عند علماء أهل السنة. هما:
1ـ مرحلة التأليف فی الفقه الاستدلالی.
وشملت النصف الثانی من القرن الثانی الهجری، وتمثل التأليف فيها بالكتب التالية: كتاب المبسوط لأبی يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضی الحنفی المتوفى سنة 182 هـ. كتاب المدوّنة فی فقه الإمام مالك بن انس لأبی عبد الله عبد الرحمن بن القاسم المالكی المتوفى سنة 1919 هـ برواية الفقيه المالكی سحنون بن سعيد التنوخی. كتاب الأم للإمام أبی عبد الله محمد بن إدريس الشافعی المتوفى سنة 204 هـ.
2ـ مرحلة تأليف المختصرات الفقهية، وهی متون علمية تضم فتاوى الفقهاء مجردة من الدليل.
وغطت هذه المرحلة القرنين الثالث والرابع الهجريين والنصف الأول من القرن الخامس، وتمثل تأليفها بالكتب التالية: *المختصر فی فروع الشافعية، لأبی حفص حرملة بن يحیى المتوفى سنة 243 هـ. *مختصر الطحاوی فی فروع الحنفية لأبی القاسم عمر بن حسين الخرقی الحنبلی الدمشقی المتوفى سنة 334 هـ. *مختصر الكرخی فی فروع الحنفية لأبی الحسن عبد الله بن الحسين الكرخی المتوى سنة 340هـ. *مختصر القدوری فی فروع الحنفية لأبی الحسن أحمد بن محمد القدوری البغدادی الحنفی المتوفى سنة 428 هـ.
وفی القرن الثامن الهجری ألّف الشيخ خليل بن إسحاق الجندی الفقيه المالكی مختصره فی فروع المالكية المعروف بمختصر خليل، وقد شرحه كثيرون وترجم إلى الفرنسية. وكانت هذه الكتب استدلالية ومتوناً تحتوی أحكام العبادات، وأحكام المعاملات بطابعها الفقهی العام. وفی هذه الحقبة الزمنية للتأليف الفقهی عند أهل السنة الممتدة من القرن الثانی الهجری حتى نهاية القرن الخامس الهجری أُلفت كتب مفردة فی الفقه الخاص، منها اقتصادية الطابع، ومنها ادارية الطابع، أمثال: *كتاب الخراج لأبی يوسف القاضی الحنفی المتوفى سنة 182 هـ. *كتاب الأموال لأبی عبيد القاسم بن سلاّم المتوفى سنة 224 هـ. وكلاهما فی الفقه الاقتصادی. *كتاب الأحكام السلطانية لأبی الحسن علی بن محمد الماوردی الشافعی المتوفى سنة 450 هـ. *كتاب الأحكام السلطانية لأبی يعلی محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلی المتوفى سنة 458 هـ.
وأما بداية التأليف الفقهی عند الشيعة الإمامية فكانت فی بدايات عهد الغيبة الكبرى ذلكم العهد الذی بدأ سنة 329 هـ وهی سنة وفاة أبى الحسن علی بن محمد السمری آخر النواب الخاصين للإمام المهدی، حيث انقطع الالتقاء من قبل الشيعة بالأئمة فكان الحافز لهم إلى ذلك. وقارن تأليفهم فی الفقه الاستدلالی تأليفهم للمختصرات الفقهية. ومن أبرز وأشهر مؤلفاتهم فی الفقه العام حتى وفاة الشيخ الطوشی سنة 460 هـ.
المختصرات: *كتاب الشرائع المعروف برسالة علی بن الحسين بن بابويه القمی المتوفى سنة 329 هـ.
*مختصر الاحمدی لأبی علی بن محمد بن أحمد الجنيد الإسكافی البغدادی المتوفى سنة 381 هـ. *كتابا المقنع والهداية لأبی جعفر محمد بن علی بن بابويه القمی الملقب بالصدوق المتوفى سنة 381هـ. *كتاب المقنعة لأبی عبد الله محمد بن النعمان المعروف بابن المعلم والملقب بالمفيد المتوفى سنة 413 هـ. *كتاب جمل العلم والعمل لأبی القاسم علی بن الحسين الموسوی المشتهر بالشريف المرتضى المتوفى سنة 436 هـ. *كتاب الكافی لأبی الصلاح تقی الدين بن عبد الله الحلبی المتوفى سنة 447 هـ. *كتاب النهاية لأبی جعفر محمد بن الحسن الطوسی الشهير بشيخ الطائفة المتوفى سنة 460 هـ.
الكتب الاستدلالية: *كتاب تهذيب الشيعة لأحكام الشريعة لابن الجنيد الإسكافی المتوفى سنة 381 هـ. *كتاب من لا يحضره الفقيه لأبی جعفر الصدوق المتوفى سنة 381 هـ. *كتابا (تهذيب الأحكام) و(المبسوط) لأبی جعفر الطوسی المتوفى سنة 460 هـ.
وقد تأثر التأليف الفقهی عند الإمامية بالتأليف الفقهی عند أهل السنة من حيث التبويب وطريقة العرض، فاقتصروا فيه استدلالياً ومختصرات على الفقه العام أيضا.
وفی القرن العاشر الهجری ألّف أبو الحسن علی بن عبد العالی العاملی الكركی المعروف بالمحقق الثانی المتوفى سنة 940 هـ، فی الفقه الاقتصادی حيث مست الحاجة لدى الإمامية لذلك بسبب اختيار المحقق الثانی من قبل الدولة الصفوية. وهی دولة شيعية. مرشداً عاماً لها. ألّف: الرسالة الخراجية والرسالة المواتية فی تقسيم الأراضی.
وفی القرن الرابع عشر الهجری عندما قامت الحركة السياسية المعروفة بحركة المشروطة والمستبدة فی إيران بقيادة علماء الدين والتی تعنی الدعوة إلى اعلان الحياة الدستورية من قبل الدولة القاجارية التی كانت تحكم إيران آنذاك، وامتدت الحركة إلى النجف الأشرف المركز الدينی للمرجعية الشيعية الإمامية فی العالم، واشترك فيها كل من المرجعين الشيخ محمد كاظم الخراسانی المتوفى سنة 1329 هـ داعياً لإعلان الحياة الدستورية، والسيد محمد كاظم اليزدی المتوفى سنة 1337 هـ معارضاً الدعوة الدستورية.
فی هذه الفترة ألّف الشيخ الميرزا محمد حسين النائينی المتوفى سنة 1355 هـ وهو من ابرز تلامذة الشيخ الخراسانی داعية الحياة الدستورية رسالته الموسومة بـ (تنبيه الاُمّة وتنزيه الملة) فی الفقه السياسی، وضعها باللغة الفارسية وترجمت للغة العربية.
وبعد انقلاب 14 تموز 1958 م العسكری فی العراق الذی انتهى به الحكم الملكی وحل محله الحكم الجمهوری، والذی أزال الحواجز لانطلاق الشيوعيين وسيطرتهم على الساحة العراقية الثقافية بفكرهم الاشتراكی وخاصة فی مجال الاقتصاد، وفيه ما يتعارض مع العقيدة والتشريع الإسلاميين، ألّف الفقيه الشهيد السيد محمد باقر الصدر المتوفى سنة 1400 هـ كتابه الشهير (اقتصادنا) للوقوف أمام الهجوم الاشتراكی ولوضع النظرية الاقتصادية الإسلامية بين يدی المفكرين المسلمين بغية أن لا يتأثروا بالاقتصاد الاشتراكی، وليكونوا فی منطلق العودة إلى بناء الحضارة الإسلامية والعيش فی ظلها متمتعين بعدالة الإسلام بعيداً عن مشكلات الاشتراكية والرأسمالية.
وقبل تبيان النظرية الاقتصادية للإمام الصدر من خلال كتابه المذكور، من المفيد أن اشير إلى العوامل التی ساعدت الشهيد الصدر على إبداعاته العلمية فی هذا الكتاب، وخروجه من دائرة التأليف الفقهی العام إلى التأليف فی الفقه الاقتصادی وهی: 1ـ اجتهاده المتمیّز: وأعنی بذلك أنّ الإمام الصدر كان فقيهاً مجتهداً على مستوى النظرية والتطبيق. مستوى النظرية الذی يعنی أنه كان يمتلك وسائل الاجتهاد ويتمتع بالقدرة على الاستنباط. ومستوى التطبيق الذی يعنی انفتاحه على الحياة المعاصرة، ومحاولة تعرّفه لكل ما يجری فيها من أحداث وتطورات علمية، وغير علمية. وتوصل إلى هذه النظرة المميزة من خلال إيمانه وعن معرفة واقعية للفقه الإسلامی بأنه النظام الإسلامی للحياة، بكل أبعادها وجميع شؤونها. فليس هو الفقه المدوّن فی المتون الفقهية، وإنما هو أوسع من هذا وابعد، بما يشمل الاجتماع والاقتصاد والسياسة الخ.
2ـ موسوعيته الثقافية: فقد لاحظت ـ عن قرب ـ حياته الثقافية فرأيته قارئاً مدمن القراءة، قرأ الكثير من الكتب القديمة والكثير من الكتب الجديدة وتابع الدوريات التی صدرت والتی تصدر، منوعاً فی قراءته لمختلف حقول المعرفة التی ترتبط، مباشراً وغير مباشر، بتخصصه كفقيه مجتهد. فقرأ الاشتراكية الماركسية فی فكرها العقيدی والتنظيمی وتعرّف أيديولوجيتها السياسية العلمية والعملية. وقرأ الرأسمالية مذهباً اقتصاديا وخطاً سياسياً يهدف إلى الهيمنة على كل مصادر الثروة فی العالم. وقرأ العلوم الحديثة، وبخاصة العلوم الإنسانیّة تلك التی ساعدت من خلال دراستها وما تبديه من مرئيات وتقدمه من مقترحات وتضعه من خطط لتوسيع ونشر الأيديولوجية السياسية الغربية، بما مكّن لها السيطرة على مصادر ومعابر الثروات الطبيعية فی العالم الثالث.
3ـ نظرته للحياة: ونتيجة ما وفق إليه من ثروة ثقافية منحته الموسوعية التی أشرت إليها توسعت نظرته للحياة المعاصرة لتشملها بكل أبعادها وشؤونها. ومن هنا كان الفقيه بمستوى التطبيق.
4ـ فهمه لواقع الفقه الإسلامی: بما له من شمولية لتنظيم كل شؤون حياة الإنسان فردياً واجتماعياً. ذلك الفهم الذی استمده من مقارنة التشريع الإسلامی بالتشريعات القانونية الحديثة التی غطت كل الجوانب الاجتماعية للإنسان، اجتماعية بمعناها الخاص واقتصادية وسياسية وإدارية وعسكرية وإلخ. والذی هداه إلى أن فی الفقه الإسلامی القدرة على هذه الشمولية، ومتميزاً بالجانبين العبادی والأخلاقی. وهذا ما أعانه أن يوازن بين النظرية والتطبيق فی ما أعطاه من فكر فقهی. وقد عبّر عن هذا فی مقدمة كتابه (اقتصادنا) حيث نصّ على «ان الإسلام عقيدة ونظام كامل للحياة ومنهج خاص فی التربية والتفكير».
5ـ متابعته لإفرازات الصراع الفكری العالمی: ذلك الصراع المتمثل اقتصادياً بالخلافات الفكرية بين الاشتراكية والرأسمالية والتی تركت آثارها وانعكاساتها على الساحة العالمية تأزما نفسيا، وتطلعا لاقتصاد آخر ينقذ إنسان العصر من ضغوط هذا الصراع ونتائجه المريرة فی أخطارها.
كل هذه العوامل التی تمثلت عناصر فی تركيب شخصية الشهيد الصدر بصفته مفكراً إسلاميا وفقيهاً مجتهداً دفعته لأن يعمل على استخلاص النظرية الاقتصادية الإسلامية من واقع الفقه الإسلامی، ثم يقارن بينها وبين النظرية الرأسمالية والنظرية الاشتراكية ليضعها فی مركزها الفكری ومن ثم العملی لإقامة النظام الاقتصاد الإسلامی على أساس منها.
ويلخص النظرية الإسلامية الاقتصادية، فی أن المذهب الاقتصادی الإسلامی يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية تتكامل فيما بينها لتؤلف النظرية الاقتصادية الإسلامية وهی:
الأول: مبدأ الملكية المزدوجة التی تتألف من: *الملكية الخاصة أو الملكية الفردية، *الملكية العامة أو ملكية الاُمّة، *ملكية الدولة.. هذه الملكيات الثلاث تؤلف مجتمعة مبدأ الملكية فی الاقتصاد الإسلامی.
الثانی: مبدأ الحرية الاقتصادية فی نطاق محدود: والحرية ـ هنا ـ تعنی السماح للأفراد بممارسة العمل الاقتصادی، ولكن فی حدود القيم المعنوية والأخلاقية التی يؤمن بها الإسلام. وتحدد هذه الحرية من جانبين هما: أ ـ التحديد الذاتی الذی ينبع من أعماق النفس، ويستمد قوته ورصيده من المحتوى الروحی والفكری للشخصية الإسلامية. ويتأتى هذا عن طريق التربية الخاصة. ب ـ التحديد الموضوعی الذی يعبّر عن قوّة خارج الذات والنفس تقوم بضبط وتحديد السلوك الاجتماعی، وتلك القوة هی القانون فی تشريعاته الخاصة كمنع الربا والاحتكار والتلاعب بالأسواق، وفی تشريعاته العامة بما يعطيه لولی الأمر، أو الدولة من صلاحية التدخل فی ضبط حركة المال من خلال التوازن بين المصالح المشتركة للأفراد والاُمّة والدولة.
|
| الدكتور عبد الهادی الفضلی البحاثة والمجدد السعودی، يساير فی اتجاهه محمد باقر الصدر فی تأصيل العلوم وبناء التشيع المؤصل |
الثالث: مبدأ العدالة الاجتماعية: ويتمثل هذا المبدأ فی نظام توزيع الثروة المالية الذی يقوم على مبدأين، هما: أ ـ مبدأ التكافل العام. ب ـ مبدأ التوازن الاجتماعی.
ثم لابد من أن تلتزم النظرية الاقتصادية الإسلامية أو قل: المذهب الاقتصادی الإسلامی، التحرك فی عالم الواقع وفی هدی الأخلاقيات الإسلامية. هذه هی خلاصة النظرية الاقتصادية الإسلامية التی استخلصها الشهيد الصدر من واقع وطبيعة الفقه الإسلامی.
أما تفصيلاتها وتفريعاتها وأدلتها الشرعية ومقارناتها مع الاشتراكية والرأسمالية فذلك ما اشتمل عليه كتابه القیّم «اقتصادنا». والذی نفيده عملياً وفی مجال تطبيق الإسلام فی واقعنا كمسلمين هو إقامة النظام الاقتصادی الإسلامی بمواده الشرعية المقننة على أساس من هذه النظرية وذلك بان تكون هذه النظرية المنطلق الشرعی، والمقصد الشرعی فی وضع النظام الاقتصادی الإسلامی. هذه هی النظرية الاقتصادية الإسلامية فی مفهومها الشرعی ومجمل أبعادها وسماتها.
أما المشكلة الاقتصادية فی رأی أستاذنا الإمام الصدر فتتمثل فی بعدين يعيشان حياة المسلمين الراهنة، هما: 1ـ سوء توزيع الثروة الموجودة فی الوطن الإسلامی. 2ـ إهمال المسلمين لاستثمار الموارد المالية فی الطبيعة.
يتبين بكل وضوح أن عالمنا الإسلامی يحتضن فی باطن أرضه أنواعا متعددة من المعادن على الرغم من محدودية الدراسات المتوفرة حالياً، إذ لازالت مساحات شاسعة من أراضى البلدان الإسلامية لم تصلها عملية المسح الجيولوجی الشامل والدقيق، ولم يعرف بشكل جيد ما يخبأه جوف هذه الأراضی من معادن عدا بعض المناطق التی تحتمل وجود النفط فيها.
ومع كل ذلك فان نتائج الدراسات التی أجريت لحد الآن كلها تشير إلى أن المتاح من هذه الثروة فی عالمنا الإسلامی يبشر بخير عميم ونعمة وفيرة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، إن البلاد العربية تستأثر على 70% من الاحتياطی العالمی للفوسفات، و14% للكبريت.
أما بشأن الاستغلال الفعلی لهذه الثروة فلا زال دون مستوى الطموح إذ إن المستخرج لبعض المعادن بمستوى محدود، بالإضافة إلى بقاء العديد منها بعيداً عن دائرة النشاط الاستخراجی، فمثلاً إن العالم الإسلامی ينتج من الحديد ما يعادل 15% من الإنتاج العالمی و24% من إنتاج المنغنيز، و56% من إنتاج القصدير و23% من إنتاج الألمنيوم، و25% من إنتاج الفوسفات، و4% من إنتاج النحاس.
إن حالة القصور فی استغلال هذه الثروة إذا كانت تمثل خسارة مادية لعالمنا الإسلامی على أساس تعطيل مصدر الدخل القومی فهی من الناحية الشرعية تجسد حالة بارزة من حالات سوء التصرف والاستغلال للموارد الاقتصادية لبنی الإنسان وتعكس الابتعاد عن أحكام الشريعة الإسلامية السمحة فی هذا المجال.
يقول الشهيد السعيد آية الله الصدر فی تعرضه لهذا الجانب من الاستثمار الاقتصادی: «اعتبر الإسلام فكرة التعطيل أو إهمال بعض مصادر الطبيعة أو ثرواتها لوناً من الجحود وكفراناً بالنعمة التی أنعم الله تعالى بها على عباده». وفی القرآن الحكيم حث واضح وتأكيد بیّن على وجوب الاهتمام بهذه الخيرات والنعم بقوله تعالى: (قل من حرّم زينة الله التی أخرج لعباده، والطيبات من الرزق، قل هی للذين آمنوا فی الحياة الدنيا، خالصة يوم القيامة، كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون...).
وفيما يتعلق بمآل المعادن المستخرجة، وهل تساهم بدور فاعل ومباشر فی عملية التنمية وبالتحديد فی مجالات التطوير الصناعی لبلدان العالم الإسلامی، فالواقع الحالی لاستخدام هذا النوع من الموارد الاقتصادية فی غالبية البلدان الإسلامية لا يقدم أی مظهر إيجابی أو ممارسة جادة للاستفادة من الخدمات المستخرجة حالياً فی مجال الصناعة الوطنية، وان جُلها لا زال يصدر على هيئة مواد نهائية قابلة للاستهلاك أو الاستعمال. ومن ثم يعيد تصديرها إلى البلدان الإسلامية والمستضعفة ليحقق بذلك أرقاما خيالية من الأرباح مسخراً هذه النعم والخيرات لصالحه وصالح احتكاراته العالمية.
فمع الأسف الشديد إن معظم الإنتاج المعدنی فی العالم الإسلامی يوجه إلى التصدير والتجارة الدولية. وكمثال على هذا الوضع فان 90% من إنتاج المنغنيز يضخ إلى الأسواق العالمية، ويتجه إنتاج القصدير كله إلى التجارة الدولية، وكذلك الحال بالنسبة إلى إنتاج الحديد والرصاص. وفی هذا السياق أيضاً تشير دراسة مفصلة أعدها (الاتحاد العام لغرف التجارة والصناعة والزراعة العربية) إن 25% فقط من المعادن المنتجة فی البلاد العربية يخضع لعمليات صناعية محدودة، ويصدر الباقی إلى الأسواق العالمية».
هذا، وإذا أضيف إليه أن الكمية المهدورة من الغاز الطبيعی فی البلاد الإسلامية قدرت لعام 1980م بحوالی عشرة مليارات دولار. ألا يدلّ هذا على أن هنا ـ من جانبنا ـ نحن المسلمين إهمالا وان هناك من جانب الدول الإمبريالية استغلالاً. ألا يضع هذا الاُمّة الإسلامية أمام مسئوليتها عن هذا الإهمال وجهاً لوجه. هذا فی الثروة المعدنية غير النفطية.
أمّا فی الثروة النفطية أو البترولية فقد ذكر أن الاحتياطی للبترول فی العالم الإسلامی يقدر بحوالى 63% من مجموع الاحتياطی العالمی للنفط الخام. وقدر الخبراء العالميون الاحتياطی العالمی فی السبعينات بحدود 715 مليار برميل وما هو موجود منه فی الأراضی الإسلامية يقارب 450 مليار برميل، وقدرت الاحتياطات الجديدة لبترول المملكة العربية السعودية مؤخراً بـ(170) مليار برميل.
إن هذه الأرقام العالية تفرض علينا التساؤلات التالية: كيف يتم استثمار هذه الموارد؟! وأين تصرف؟! وأخيراً: كيف توزع على المسلمين وفی مصالحهم؟!
إن هذا يفرض على المسلمين أن يقوموا بدور المراقبة ثم المحاسبة وبالطرق المتعارف عليها الآن من إقامة المجالس النيابية التی تمثل الشعوب عن طريق انتخاب أعضائها منهم ومن قبلهم. كما أنّ عليهم أن يرفضوا كل أشكال المجالس الاستشارية التی تعیّن أعضاؤها من قبل الحكومات بدعوى ممثليتهم للشعب.
وبعد: فإن استشكاف النظرية الاقتصادية الإسلامية، وتحديد المشكلة الاقتصادية فی المجتمع الإسلامی الراهن من قبل الإمام الصدر يكشف لنا وبوضوح عن مدى ارتفاع السيد الصدر إلى مستوى مسؤوليته كفقيه قائد حمل هموم الاُمّة وتحسس آلامها، وشاركها فی آمالها وتطلعاتها إلى المستقبل الأفضل.
وإن كتابه «اقتصادنا» كان النقلة الموفقة فی تطوير التأليف الفقهی الإسلامی من الاقتصار على الفقه العام إلى تناول الموضوعات الأخرى التی تعد من قضايا الساعة التی تضع المسلمين بين أن يكونوا أو لا يكونوا.
رحمه الله رحمة العلماء العاملين وأسكنه فی فراديس جناته مع الشهداء والصديقين وحسن أولئك رفيقاً. والحمد لله رب العالمين.
المصدر: مجلة الفكر الجديد، العددان 13 - 14 السنة الرابعة ـ حزيران 1996م /صفر 1416هـ
|